تجلس كما العادة منذ سنتين تتذكر وعده لها، وكلماته حينها تعصف بعلقها وتُعاد وتتكرر وكأنه يلقيها على مسامعها الآن "هرجعلك وهخطفك لقلبي، إنتي بتاعتي" بضعة كلمات جعلتها تبيت لياليها مضطربة، حائرة هل هو قال ذلك حقاً أم أنها تتوهم كما العادة، منذ رحيله وقد تكاتف جميع من حولها على أذيتها، أودعوها في مصحة عقلية، وشتان بينها وبين المرض العقلي، رفعت بصرها ونظرت للفضاء حولها بخواء هنا من شرفة غرفتها في مشفى الأمراض العقلية ترى العالم بأعين خاوية، تنتظره وتنتظر وقد مل منها الانتظار، أمسكت دميتها الصغيرة بين يديها ورمقتها بحنان متحدثة من بين نظراتها:
_هيرجع لأنه وعد ووعد الرجال نبراس، وهو الرجولة اتلخصت فيه
عادت لشرودها مجدداً بعدما تفوهت بهذه الكلمات، وضمت دميتها لأحضانها وأمسكت كتاباً فلسفياً تطالعه باهتمام، فلطالما كان هو يحب الفلسفة وعلم النفس، وهي على خطاه تسير وتتبع.....
طالعتها عينان تراقبها بشغف بدايةً من خصلات شعرها الثائرة حول وجهها وعيناها اللوزية الساحرة بلونها الزمردي ووجهها الملائكي ذا الملامح الناعمة، تنهد صاحب العينين بحرقة متمتماً من بين أنفاسه:
_تيارا
..
استقامت تيارا ذاهبة للداخل، أوت إلى فراشها واحتضنت دميتها وعبراتها تحررت من سجن مقلتيها تتبعها شهقات بكائها المتقطعة واللتي بمثابة خناجر مسمومة تتوجه لقلب ذاك المتيم
تحدثت من بين شهقاتها قائلة:
_وحشتني يا بابا، تيارا وحشها بابا، تيارا مش زعلانة من بابا إنه سابها هنا ومشي، تيارا عاوزة حضن بابا
غص حلق تميم اللذي يراقبها بالبكاء، وسكن الحزن ملامحه على ماتعانيه هذه الطفلة بالنسبة للعالم ووحشيته، إلى الآن لا يتخيل أن والداً يفعل في وليدته هكذا، ولأجل ماذا! لأجل المال الذي ورثته عن جدها، أين أصبحنا نحن في هذا العالم؟ ماهذه القسوة؟ ملعونٌ المال الذي يفعل هكذا في نفوس البشر، زفر بارتياح عندما هدأت أنفاسها وقد علم أنها راحت في نوم عميق، نظر في ساعة يده وجدها تشير إلى الثانية صباحاً، دخل إلى غرفتها ووقف يتأمل ملامحها قليلاً، ومن ثم ابتسم بحنان ودثرها بالغطاء جيداً، وذهب باتجاه الشرفة وأحكم إغلاقها وخرج من الغرفة عازماً على شيء ما
تململت تيارا في نومتها صباحاً على صوت زقزقة عصافير ومواء هرة صغيرة بجانب فراشها، ابتسمت لوقع هذه الأصوات على آذانها، فهي تعشق العصافير والحيوانات الأليفة، فتحت عينيها بنشاط وحيوية عكس كل يوم تمكث في فراشها بخمول، وضعت أرجلها على أرضية الغرفة فلامس جلدها ملمس ناعم، نظرت إلى أرضية الغرفة باستغراب مع ابتسامة ساحرة ترتسم على وجهها لأول مرة منذ وقت طويل، وكان لمرأى بتلات الزهور المنثورة على أرضية الغرفة ورائحتها العبقة أثراً طيباً في نفسها، تحركت صوب الصندوق الأسود الصغير وأخرجت الهرة البيضاء ذات الشعر الكثيف والتي تنظر لها بعينيها الزرقاء بلطافة وتموء، احتضنتها تيارا بحب ومن ثم وضعتها أرضاً عندما وقع بصرها على ورقة سوداء في أرضية الصندوق، أخرجتها ونظرت للكلمات المسطورة عليها
_عشقي لكِ كعشق الليل للنجوم، كعشق السماء للغيوم، كعشق روحكِ للسكون، وروحي تهفو للسكون بين أحضانك ياجميلة الوجه كالقمر المترنم فابتسمي وانشري أريج البسمة يا ياسمينة الربيع
أغلقت الورقة وابتسامة جميلة زينت محياها جعلت ذاك الواقف يبتسم تلقائياً لابتسامتها، أفاقت من غيمتها الوردية على ابتعاد الهرة وخروجها من باب الغرفة، فخرجت خلفها ولأول مرة تعبر حدود غرفتها منذ دخلتها، أخذت تركض وراء الهرة وتحدثها بمرح:
_رايحة فين يا كميلة، تعالي هنا، خدي، تعالي بس هنتفاهم
كل هذا وجميع من في الرواق ينظر لها ويبتسم ببلاهة لهذه الجنية التي خرجت لتوها من كتاب من كتب الأساطير، رآهم تميم على حالتهم تلك فصرخ بهم، ففزع الجميع وتوجه كل لوجهته، وهي مازالت تركض خلف هرتها إلى أن أمسكتها وأخذت تلعب في فروها متحدثة إليها:
_شكلك جعانة تعالي نشوفلك أكل
سارت بهدوء وتوقف أمام تميم اللذي كان منشغلاً في أحد تقارير المرضى قائلة:
_لو سمحت قطتي جعانة
رفع تميم بصره عن الأوراق فسقطت على عيناها مباشرة، فاهتز تميم واهتزت دقات قلبه وهي تقف تطالعه ببراءة، فاستفاق من حالة الخدر التي أصابته ووجدها فرصة لتخرج للعالم الخارجي فتحدث قائلاً:
_تعالي معايا نجبلها أكل من الكافتيريا اللي تحت
زاغت عيناها وانكمشت على نفسها بخوف وهي تطالعه بحذر، فزفر تميم أنفاسه مقاوماً رغبة ملحة في احتضانها وتخفيف وجعها، أمسك يدها بهدوء ونظر داخل عينيها بقوة وتحدث قائلاً:
_متخافيش يا تيارا هنجبلها أكل ونرجع على طول، ماشي؟
هزت رأسها بطاعة وضمت الهرة لأحضانها أكثر فتحدث تميم لنفسه قائلاً:
_أهي القطة اللي جبتهلها دي هتبقى ضرتي وهي لازقة في حضنها كده
سار تميم أمامها بهدوء وهي تسير خلفه، فنظر لها أحد المرضى مطولاً، فخافت وأسرعت الخطى وأمسكت بيد تميم الذي تفاجأ كلياً بما حدث وزين ثغره ابتسامة واسعة
..
اصطحبها تميم للمطعم الصغير الموجود في حديقة المشفى وجلب للقطة طعاماً، وتحرك قليلاً وهو مازال مطبقاً على يدها وجلب لها قطعة شيكولاتة فاخرة، فأخذتها منه تيارا بفرحة عارمة وأمسكت يده وسحبته خلفها لأحد المقاعد وجلست تأكل بنهم من قطعة الشيكولاتة وهو ينظر لها بحنان، مدت يدها له بلوح الشيكولاتة فمال ليقضم قطعة منها، فلطخت له أنفه بها وهي تضحك عليه باستمتاع، ضحك تميم هو الآخر وانقضى اليوم في سعادة بالنسبة لتميم
صباح يوم جديد استيقظت تيارا مبكراً بحماس، بدلت ثيابها لفستان سماوي رائع ووقفت في شرفتها تطالع السماء الملبدة بالغيوم وهي تتمنى لو تمطر
سمعت مواء هرتها فاتجهت إليها حملتها على يدها والتفتت للشرفة بشرود من جديد، وأخذت تتساءل هل سيأتي اليوم الذي سوف يعود فيه حبيبها عمار؟ قاطعها صوت تميم ينادي عليها، فالتفتت له متجهمة، فاستغرب تميم حالتها تلك وسألها مابها فأجابته وهي تهز كتفيها بلا مبالاه بأنها اشتاقت لحبيبها الذي هجرها منذ سنتين، أفاق تميم من أحلامه التي حطمتها كلماتها على صخرة الواقع الأليم
.... نظر لها نظرة سكنتها الأوجاع وحقاً قد فاض به من عشقها المرير، أفاق من شروده على كلماتها التي أعادته لأرض الواقع قائلة:
_تميم الجو بدأ يشتي وأنا بحب أتمشي في الشتا ممكن تاخدني لأني عاوزة أنزل
أماء لها تميم بهدوء، فأمسكت هرتها واحتضنتها جيداً كما العادة وسارت جانبه وهي تكاد تلتصق به من شدة خوفها من الناس حولها، نظر لها شاب نظرة جائعة وغمز لها بعينه بطريقة مبتذلة جعلتها تجهش في البكاء وتحتمي بملابس تميم التي تقبض عليها بفزع، التفت لها تميم بهدوء وجدها على وشك البكاء وهي تذم شفتيها كالأطفال، هدهدها بالحديث بلطافة قائلاً:
_تيارا متبكيش عشان خاطري
هزت تيارا رأسها بطاعة فابتسم عليها تميم وأخذ يحدثها وهي تجيبه بعفوية محببة لقلبه، وهكذا قُضي اليوم وعادا مجدداً إلى المشفى، وبمجرد دخولها غرفتها توجهت مباشرة لفراشها وتمددت بخمول وذهبت في نوم عميق وهي تحتضن دميتها، دخل تميم الغرفة بهدوء واضعاً هرتها في مكان نومها، وتوجه لها دثرها بالغطاء جيداً وتوجه للخروج متجهاً لسطح البناية لينشد بعض الهدوء.....
جلس تميم يتأمل السماء بذهن شارد في عشقه الذي حُكم عليه بالموت في مهده، تطلع لنجمة لامعة تسطع في الأفق وتخيلها هي تناظره من علياء الدنيا، فأخذ يتحدث لها وكأنها هي أمامه:
_ليه يا تيارا بتنفس وإنتي جمبي ووإنتي بعيد عني بحس بخنقة، ليه بتأثري عليا بالصورة دي وكأني مراهق لما بيشوف حبيبته مش دكتور عنده 28 سنة، جاوبيني، هو في أمل إنك تحبيني؟
صمت ليلتقط أنفاسه المسلوبة وتحدث مجدداً بتصميم وتحدي لمع في عينيه:
_تيارا لتميم وتميم لتيارا ولو آخر نفس فيا هافضل أحبك
انقضى الليل سريعاً، استيقظ تميم من نومته في غرفة مكتبه على صوت جلبة في الخارج، أرهف سمعه لأن مثل هذه الأصوات معتادة ولكنه انتفض مسرعاً إلى الخارج عندما وصله صوت تيارا تستغيث به، وصل إلى مكان الأصوات وجد رجلاً كبيراً يسحبها خلفه بعنف وهي تتمنع وقد ساءت حالتها وأصابتها هستيريا بكاء وصراخ، فتحرك مسرعاً واجتذبها منه واضعها خلف ظهره بحماية ووقف أمامه متأهباً له، فتحدث هذا الرجل قائلاً:
_دي بنتي وليا الحق إني أخدها ومحدش يقدر يمنعني، وسع كده
تحدثت تيارا بهستيريا وهي تهز رأسها بنفي
:
_لا أنت قولتلي إنك هتموتني عشان تاخد فلوسي وأنا مش هاروح معاك، خد الفلوس بس سبني، متموتنيش
زاغت أعين والدها والذي يُدعى عثمان عندما حدجه تميم بصدمة وغضب
،ماهذه البجاحة بحق الله، أيهدد ابنته بقتلها من أجل المال؟ ضم تميم حاجبيه بقلق عندما راودته فكرة أنه من الممكن أن يقتلها حقاً، وتلقائياً ودون شعور قبض بكف يده على يدها بحماية ونظر تجاه والدها بعدائية واضحة في مقلتيه ثم تحدث مهدداً:
_عارف لو جيت جمب تيارا أنا اللي هقفلك يا عثمان ياسويلم وعندي اللي يوديك ورا الشمس حط دا في مخك كويس
كز عثمان على أسنانه بحنق وألقى على تميم نظرة متوعدة تحمل من الشر بداخلها الكثير والكثير، ثم نظر لتيارا القابعة خلف تميم بسوداوية وتحرك يدك الأرض تحت قدميه من شدة الغضب
خرجت تيارا من خلف تميم وهي تناظره بعين واحدة مغلقة الأخرى قائلة بلطف ومازالت هناك رعشة طفيفة تسيطر على أطرافها من هول الموقف:
_مشي؟
قهقه تميم عليها وهز رأسه بيأس وهو ينعي قلبه الذي تاه بين غيابات عشقها، يعشق تفاصيلها وتصرفاتها العفوية، إيماءاتها ولفتاتها، يعشقها وكفى
تركها وتحرك مبتعداً فتبعته وهي تهتف عالياً بصوتها منادية عليه، ولكنه يسير بلامبالاه وهي خلفه...
مرت الأيام متتابعة وأصبحت علاقة تيارا بتميم أكثر صلابة من قبل، وهناك في قلب أحدهم بذرة عشق قد غُرست ويبدو أنها ستؤتي ثمارها عما قريب، وتميم أخذ يراعي بذرته ويرويها اهتماماً وحناناً وهو يُمني قلبه بالظفر بقلبها يوماً ما..
في أحد الأيام كانت تيارا تجلس في شرفتها شاردة كما عادتها في الآونة الأخيرة، هناك شيء خاطئ، مابال قلبها تزداد دقاته بجوار تميم، لا هي تحب عمار، هذا ما أقنعت به نفسها وقد عزمت أمرها على شيء ما، طالعت الأجواء الدافئة من حولها بفتور ثم اجتذبت كتبها التي أصبحت تمقتها في الآونة الأخيرة وانتزعت نفسها من مقعدها متوجهة للداخل، أخذت هرتها وتلك الرسائل الكثيرة التي تجدها بجوار فراشها كل صباح، وتوجهت للخارج بتجهم محددة وجهتها التي ترغبها
مضى بعض الوقت وهاهي تقف أمام باب إحدى المنازل الراقية بشرود وخوف وقد ضمت هرتها لأحضانها تنشد منها بعض الأمان التي هي في أمس الحاجة له الآن، رفعت يدها لكي تطرق الباب ولكنها بقيت متعلقة في الهواء وأخذت تطالعها بشرود وخوف، ثم تحدثت وكأنها كانت مغيبة واستفاقت الآن قائلة وقد انهمرت الدموع من عينيها:
_تميم
ماذا كانت ستفعل بحق الله، استدارت لتذهب ولكنها تجمدت مكانها عندما وصل لمسامعها صوت فتح الباب وتلاه صوت والدها المصدوم:
_تيارا؟!
زاد ذعرها وجف حلقها ورجفة خوف سرت على طول فقرات ظهرها مرسلة لها ذبذبات تجعلها تزداد في البكاء
طالعت والدها بحذر وأخذت قرارها وحتماً ستلوذ بالفرار، استعدت للركض ولكن يد والدها كانت الأسرع في الوصول لخصلات شعرها جاذبها منه للداخل وهو يتمتم بكلمات جعلتها متيقنة بأنها هالكة لا محالة
..
مرت ليلتها تتوجع وتبكي من جراء تبعات ضرب والدها لها، لقد ذاقت العلقم هذه الليلة، أخذت تعنف نفسها على قرارها الذي أودى بها جالسة في غرفة ظلماء يوجد بها أصوات تجعل قلبها يرتجف بذعر بين أضلعها، ارتفعت شهقات بكائها وأخذت تشق السكون المحيط بها متمتمة من بين شهقاتها بوجع طغى على نبرة صوتها:
_تعالى بقا يا تميم، أنت اللي بتحمي تيارا
سحبتها دوامة سوداء لأعماقها، فسقطت فيها بإرادتها ومازالت عبراتها عالقة بين أهدابها وراحت في سبات عميق متقطع يتخلله كوابيسها وفزعها
شقت السماء ظلمة الكون معلنة بداية يوم جديد، تململت تيارا في نومتها وهي تئن بوجع ممسدة فقرات عنقها، تذكرت لجأة ماحدث معها فتقوست شفتاها معلنة عن نوبة بكاء جديدة ولكن قاطعها دخول والدها الهمجي صافقاً الباب بشدة أفزعتها وجعلتها تنكمش على نفسها متطلعة له بوجل متمكن من جميع ذرة بجسدها، سحبها والدها من يدها بعنف ودون كلام وهي خلفه تتعثر في خطواتها وحقاً قد فاض بقلبها، أوقفها أمام أحدهم الذي ما إن رأته حتى أصابها شلل مؤقت في جميع أطرافها جعلها لاتقوى على الحراك ولا حتى تحريك بصرها
أما تميم فبمجرد اختفائها وقد ثار وقلب المشفى رأساً على عقب
،وأخذت الأفكار تتلاعب به في كونها قد وجدت حبيبها المهاجر، طغى الحزن على ملامحه وأصبح الحزن حبيس عينيه وقلبه، وقضى ليلته في غرفتها يتذكر كيف كانت مصدر بهجته في الأيام الأخيرة، تطلع لفراشها بحزن طاغ ووجد إحدى رسائله الذي كان يقضي وقتاً لا بأس به في كتابتها، التقطتها يداه ونظر لكلماتها المسطورة وغصة بكاء انتشرت على طول فكه وحلقه جعلته يشهق ملتقطاً أنفاسه التي وللتو اكتشف أنها كانت حبيسة رئتيه، رفع رأسه للأعلى لكي يستعيد توازنه وتحرك خارج المشفى ممنياً نفسه في العثور عليها بعدما قضي ليلته حبيس ذكرياتها
مضى بعض الوقت وهاهو يقف في حديقة بيت والدها وينظر حوله بتشتت إلى إن وقع بصره على ثلاثة شخوص يقفون بسكون، تحرك متجهاً لهم بفرحة عارمة عندما رأى تيارا من بينهم ولكنه مالبث أن تسمر مكانه عندما انطلقت تيارا كالسهم لأحضان ذاك الشخص الذي يبدو من حرارة اللقاء أنه حبيبها..
تقهقر في خطواته للخلف ومازال بصره مثبت عليهم وقد شعر بأن أحدهم قد استل سيفه من غمده وغرسه في منتصف قلبه، وضع يده موضع قلبه عندما شعر بوخزات متتالية تضرب قلبه، وولتو اكتشف خروجه خارج حيز بيتهم، سار مبتعداً بهدوء وهو يضع يديه في جيوب بنطاله وقد تهدلت أكتافه وقد عزم أمره على النسيان ولكن هيهات فالقلب الذي وقع أسيراً لاحتلال العشق لا يذوق حلاوة التحرر أبداً...
.
جرّت تيارا قدميها باتجاه الماثل أمامه ومازالت أبصارها شاخصة عليه، اغرورقت عيناها بالدموع وارتفع وجيب قلبها ووقفت أمامه مباشرة مسلطة بصرها داخل عينيه قائلة بضعف:
_عمار!
ابتسم لها ذاك الذي يُدعى عمار وفتح لها ذراعيه فانطلقت متشبثة بأحضانه وعندها فقط تحررت عبراتها من مقلتيها وتعالت شهقات بكائها، هدهدها عمار بلطف متمتماً لها ببعض الكلمات المهدئة، تجمدت في أحضانه مغلقة عينيها بقوة حين وصل لمسامعها صوت والدها، فنظر له عمار بهدوء نظرة محذرة ولكن والدها لم يأبه له وتحدث مطلقاً سهام كلماته التي أصابتها في مقتل قائلاً:
_أهو اللي إنتي متشعلقة فيه ده باعك عشان الفلوس، أنا اللي قولتله يمشي وهديه شيك بمبلغ محترم وهو ماصدق وباع في ثانية
قال هذا ناظراً لها بتشفي، أما هي فخرجت من أحضانه بهدوء وتخشب وهي تهز رأسها بالنفي بهستيرية وتتمني فقط أن تكون في كابوس مرعب ستستيقظ منه على صوت تميم ومواء هرتها، نظرت لعمار وجدته يُخفض رأسه للأسفل فرمقته بخذلان وهاهو جرح ووجع جديد يُضاف لقائمة أوجاعها، نظرت حولها بتشتت وضياع هي لاتنتمي لهذا العالم، مكانها ليس هنا، نظرت لعمار بضياع أين وعده لها؟! أكان يخدعها؟ أتركها من أجل المال؟! إلى الآن لا تصدق
قطع ملحمة أفكارها صوت أنثوي من خلفها متحدثاً لحبيبها، عفواً هو ليس حبيبها بل هو وجعها وأبعد مايكون عن الحب، إنه مخادع فقط مخادع وعدها ولم يوفّي بوعده
تحدثت تلك الفتاة قائلة:
_عمار حبيبي زياد بيبكي ويقول بابا
ضحكت تيارا بصوت عالٍ وأصابتها هستيريا ضحك، وكل من حولها يناظرها بتعجب، دارت تيارا حول عمار وهي مازالت تضحك قائلة من بين ضحكاتها:
_بقا هو أنت اللي أنا فضلت سنتين في مستشفى الأمراض العقلية ومستنياه وصابرة وأقول بكرة يرجع بعده يرجع، وفضلت محبوسة في أوضة وبكلم نفسي وكلامك ليا قبل لما تمشي هو اللي مصبرني! عارف إنت عندك حق منا هبلة إني صدقتك، دا أنا من وفائي ليك لما لقيت قلبي هيحب وهرجع تاني تيارا القديمة اللي كانت مليانة بهجة اللي أنت طفيتها قولت لا لازم أمشي لازم أفضل ثابتة على الوعد ورجعت لجحيم عثمان بيه سويلم اللي كان هيموتني في إيده إمبارح، وكل ده عشان الفلوس؟! ملعون أبو الفلوس اللي تعمل في النفوس كده، أنا بكرهكم إنتوا دمرتوني بكرهكم
قالت هذه الكلمات غير المترابطة وانحنت ملتقطة هرتها وأطلقت قدميها للرياح وخلفها عمار الذي يجأر عالياً باسمها، لحقها عمار وأدارها له وأمسك كتفيها قائلاً بلهاث:
_بس رجعت وهفضل معاكي، إنتي في قلبي يا تيارا
نظرت له بخواء قائلة:
_عارف اللي مكانش معايا في العاصفة مش هحتاجه لما الدنيا تهدي والشمس تشرق تاني، مبقتش أحتاجك يا عمار، وهقولك حاجة حطها حلقة في ودنك، قبل ماتوعد أعرف إن الوعود محتاجة رجال عشان يوفوا، روح لابنك ومراتك وانسى تيارا
قالت هذا وأزاحت ذراعيه بقوة نابعة من كسرة روحها وتحركت مبتعدة تاركة إياه خلفها يتابعها بعينيه
.......
على شاطئ البحر يقف تميم بشرود كشرود روحه عنه، تاهت نظراته داخل الأمواج المتلاطمة أمامه، يشعر بروحه تتفتت إلى أشلاء بين أضلعه، رفع رأسه لأعلى لكي يُسيطر على دموعه لن يراه أحد في ضعفه لطالما كان مثل الجبل الراسخ الذي لاتؤثر فيه رياح الحزن ولاتضعفه، تنهد بعمق متحدثاً بخواء:
_قلبي مش ملكي وهيفضل طول عمره مش ملكي ودا شيء بإرادتي، أوعدك يا تيارا إن قلبي هيفضل طول عمره أسير عشقك
.. سلطان القلوب مستبد وأحكامه بتتنفذ غصب عن إرادتنا، والروح لما بتعشق الروح مستحيل الوصال بينهم ينقطع، وأنا بعشق روحك ياتيارا
تنهد بعمق مقاوماً رغبة ملحة في الصراخ وإخراج كل تلك التراكمات التي بداخله، والتي تحارب الآن كلها داخل قلبه مُسببة ضجيج يكاد يصم أذنيه، تحرك مبتعداً عن المكان بروح مثقلة غافلاً عن تلك التي تقف على حافة الصخور ودموعها تتسابق على وجنتيها وتنظر للمياه أمامها بخواء والشعور الذي يطفو على سطح روحها مسبباً لها حالة من الاختناق هو الخيانة، خيانة والدها الذي رجحت عنده كفة الجشع معلنة انتصارها، خيانة ذاك الخسيس الذي اعتبرته يوماً ما حبيبها وكان له الأثر الأعظم في تحطيم روحها، تذكرت تميم هو الآخر والآن زالت الغشاوة التي طُبعت على قلبها متذكرة نظرته لها والواضحة للعيان بعشقه، خارت قواها من كثرة نشيجها وصارت أقدامها كالهلام لاتقوى على حملها وجاءت لتركع ولكن حدث مالم يكن في الحسبان، زلت قدمها من مكانها ولم تشعر بنفسها إلا وهي تعافر للخلاص، أخذت تعلو وتنخفض عدة مرات محاربة بكل قوتها هذه المياه التي تكرهها طوال حياتها وتعاني من الفوبيا منها، فتحت فمها لتستغيث بأي أحد حولها ولكن هيهات فقد امتلأت رئتيها بالمياه وغامت الدنيا من حولها، وشعرت بنفسها تهوى للأعماق فأغمضت عيناها ناطقة للمرة الأخيرة:
_تميم
ثم غاص جسدها الذي سكن وهمدت حركتها، وأخذت المياه تُحرك جسدها وخصلات شعرها كما يحرك الريح الريشة ويقلبها كما يشاء
مرت سنون تغير خلالها الكثير، فهاهو تميم يقف مستنداً على سور شرفته الزجاجية هائماً في الملكوت أمامه، تغيرت هيئته وكذلك تغير حاله وخطَّ الزمن علاماته على ملامحه، يقف يتذكر بسمتها، ضحكتها، نغمة صوتها التي مازالت إلى الآن تعزف أرق الألحان على قلبه، خصلاتها، عبوسها
أفاق من شروده على صوت أحدهم خلفه قائلاً:
_انسى ياتميم انسى، عاجبك حالك وعمرك اللي ضاع على ذكرى واحدة ميتة
حرك تميم أنامله بين خصلات شعره التي غزاها الشيب فهو صار رجلاً أربعينياً رامقاً شقيقه ببسمة قائلاً:
_والود لمن سكن الروح لا يُنسى، والوصال لمن بالود ربط الروح في غيابات العشق لا ينقطع، فكيف لقلبي أن يخون يوماً وعداً قطعه لمن ملكت الوفاء كله في مقلتيها، فالوعود راسيات كالجبال لاتتزعزع بالفراق ولها حرمة لا تُنتهك
رمقه شقيقه بقلة حيلة ويأس يبدو أنه لا يكل ولا يمل، تحدث مجدداً لعله يستطيع إخراجه من صومعة الحزن هذه:
_اتجوز ياتميم
شرد تميم مجدداً وتاه في عالمها الذي يذهب له بمحض إرادته قائلاً:
_مش هتجوز
ثم تبسم عندما تخيلها تناظره وتبتسم له تلك الابتسامة التي كانت تُذيب قلبه، فتحدث قائلاً:
_إذا نطق لسانك يوماً بكلمة وعد فاعلم أنك قد ربطت روحاً بكلمتك فلا تستهين
****************************************************
تمت بحمد الله
الكاتبه أميرة الاخرس


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق